ابن الجوزي

266

كتاب ذم الهوى

إصبعه الأخرى حتى احترقت ، فلم تزل نفسه تدعوه وهو يعود إلى المصباح حتى احترقت أصابعه جميعا ، وهي تنظر فصعقت فماتت . قال ابن المرزبان : أخبرني أحمد بن حرب ، قال : حدثني عبيد اللّه بن محمد ، قال : حدثني أبو عبد اللّه البلخي ، أن شابا كان في بني إسرائيل لم ير شابّ قطّ أحسن منه ، وكان يبيع القفاف ، فبينا هو ذات يوم يطوف بقفافه ، خرجت امرأة من دار ملك من ملوك بني إسرائيل ، فلمّا رأته رجعت مبادرة ، فقالت لابنة الملك يا فلانة : إني رأيت شابا بالباب يبيع القفاف ، لم أر شابا قط أحسن منه . قالت : أدخليه . فخرجت إليه فقالت : يا فتى ادخل نشتر منك ، فدخل فأغلقت الباب دونه ، ثم قالت : ادخل فدخل فأغلقت بابا آخر دونه ، ثم استقبلته بنت الملك كاشفة عن وجهها ونحرها . فقال لها : اشتري عافاك اللّه . فقالت : إنا لم ندعك لهذا ، إنما دعوناك لكذا ، يعني تراوده عن نفسه ، فقال لها : اتّق اللّه . قالت له : إنك إن لم تطاوعني على ما أريد أخبرت الملك أنك إنما دخلت عليّ تكابرني على نفسي . قال : فأبى ووعظها ، فأبت . فقال : ضعوا لي وضوءا فقالت أعليّ تعلّل ! يا جارية ضعي له وضوءا فوق الجوسق « 1 » فكان لا يستطيع أن يفر منه ، ومن الجوسق إلى الأرض أربعون ذراعا . فلما صار في أعلى الجوسق قال : اللهم إني دعيت إلى معصيتك فإني أختار أن أصبر نفسي فألقيها من هذا الجوسق ولا أركب المعصية . ثم قال : بسم اللّه ، وألقى نفسه من أعلى الجوسق ، فأهبط اللّه له ملكا فأخذ بضبعيه « 2 » فوقع قائما على رجليه ، فلما صار في الأرض ، قال : اللهم إن شئت رزقتني رزقا يغنيني عن بيع هذه القفاف .

--> ( 1 ) الجوسق : القصر ، وهو فارسي معرب . ( 2 ) الضّبع : العضد .